الاثنين 18 يونيو 2018 - 18:41

“جامع كتشاوة” بالعاصمة الجزائرية .. تحفة عمرانية عثمانية تنطق بروح التاريخ

يعد (جامع كتشاوة) في وسط العاصمة الجزائرية أسفل (حي القصبة) الشعبي تحفة عمرانية عثمانية تنطق بروح التاريخ بالنظر الى تاريخه ونمط بنائه الفريد الذي يرمز الى حقبة الحكم العثماني للجزائر.

وتم بناء (جامع كتشاوة) الذي يحتل مكانة خاصة لدى الجزائريين في القرن ال17 وتحديدا في عام 1612 ميلادي على مساحة تفوق الألف متر مربع وشهد عملية اعادة توسعة من (الداي حسن باشا) في عام 1794 ليأخذ شكله الهندسي العثماني الحالي.

ورغم مرور السنوات بقي هذا الجامع محافظا على تاريخه ويصارع تقلبات الزمن ويبدو شامخا في الواجهة البحرية للعاصمة الجزائرية يتصدر الازقة السفلى ل(حي القصبة) العتيق متوسطا (ساحة الشهداء) التي اصبحت اليوم سوقا تجاريا شعبيا يأتي إليه الناس من مختلف ربوع الجزائر.

وترجع اهمية ورمزية هذا المعلم الديني وشهرته الى تاريخه الطويل وارتباطه بمقاومة سكان العاصمة الجزائرية للاستعمار الفرنسي للجزائر عام 1830 ووقوفهم بوجه قائد القوات الفرنسية الجنرال دو روفيغو الذي قام في خطوة استفزازية أولى بتحويل المسجد الى اسطبل.

الا ان استفزاز الجنرال الفرنسي جوبه بمقاومة شرسة من قبل السكان الغيورين على دينهم الذين اعتصموا داخل المسجد وكان عددهم يتجاوز اربعة آلاف مصل رفضوا المغادرة فهاجمهم الفرنسيون وابادوهم جميعا في حادثة تاريخية ادت الى تسمية الساحة التي تقع اسفل المسجد بعد استقلال الجزائر عام 1962 ب(ساحة الشهداء) تخليدا لتلك الحادثة.

وقد تمكن الجنرال دو روفيغو من تحقيق هدفه بتحويل المسجد الى كنيسة اذ اقام المسيحيون اول صلاة لهم ليلة عيد الميلاد في ال24 من ديسمبر عام 1832 فابتهجت ملكة فرنسا إميلي زوجة لويس فيليب بالخبر وبعثت هدايا ثمينة للكنيسة الجديدة اما الملك فساهم هو الآخر بتزيين الكنيسة الجديدة من خلال ارسال الستائر الفاخرة في حين قام البابا غريغور ال16 بدوره بإرسال تماثيل للقديسين.

وفي هذا السياق يقول الباحث في تاريخ الجزائر والتراث الشعبي والمعروف باسم (شيخ المحروسة) نسبة الى الجزائر العاصمة التي كانت تسمى في العهد العثماني (المحروسة) الاستاذ علاك كريم اليوم السبت ان المسجد يمثل تحفة معمارية تركية فريدة من نوعها وقد سمي باسم (كتشاوة) نسبة الى السوق التي كانت تقام في الساحة المجاورة له وكان الاتراك يطلقون عليها اسم (سوق الماعز) والتي تعني باللغة التركية (كتشاوة).

واضاف ان “الزائر ل(جامع كتشاوة) يكتشف تعاقب الآثار على هذه التحفة المعمارية منها جملة من الكتابات الرائعة والزخارف والنقوش التركية لآيات قرآنية كريمة رسمها الخطاط التركي إبراهيم جاكرهي لكن تم فصل جزء منها عن جدران المسجد عام 1855 ونقلت الى متحف بفرنسا فاستبدلت بنقوش ورسومات مسيحية تعكس الواقع الثقافي والديني الفرنسي في محاولة لطمس التاريخ العريق لهذا المسجد.

واوضح كريم ان “المسجد شهد مباشرة بعد استقلال الجزائر في الخامس من يوليو عام 1962 عملية ترميم سريعة واقيمت فيه أول صلاة جمعة في الثاني من نوفمبر عام 1962 حيث ألقى خطبة الجمعة العالم الجزائري الشهير البشير الابراهيمي وشهد توافد المصلين من كل انحاء الجزائر للاحتفال باسترجاع المسجد بعد 130 عاما من تحويله الى كنيسة”.

ويرى كريم ان “مسجد كتشاوة كان ولايزال قلعة دينية وعلمية تمد الناس بما يمكن ان يبصرهم بتعاليم الدين الاسلامي الحنيف اذ دأب رواده على قراءة (الراتب) وهو حزب من القرآن يقرأ قبيل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء بطريقة جماعية”.

وقال انه جرت العادة خلال شهر رمضان ان يتم تنظيم الندوات الفكرية بحضور كبار المشايخ إضافة إلى البرنامج السنوي لتحفيظ الصغار سور القرآن يوميا من صلاة العصر وحتى صلاة العشاء.

ويجذب (جامع كتشاوة) الانظار بشكله الهندسي الفريد من نوعه اذ تقف في واجهته البحرية منارتان شامختان يرفع منهما آذان الصلوات الخمس بالإضافة الى القبة التي تشع نورا الى داخل المسجد الذي يرتكز على اعمدة مصطفة مثنى مثنى تصل الى المحراب وقاعة صلاة واسعة بحيث يمكن رؤية الامام فوق المنبر من جميع الزوايا التي تم تصميمها خصوصا لهذا الغرض.

كما تزين جدران المسجد كتابات وزخرفات تعود الى العهد العثماني وهي ممزوجة بالطابع المغربي البيزنطي من حيث تنوع الألوان التي تستعمل في زجاج النوافذ.

ودفعت رمزية هذا المعلم ومكانته لدى الجزائريين عامة وسكان العاصمة على وجه الخصوص الحكومة الى توقيع اتفاقية مع الحكومة التركية للاشراف على عملية ترميمه بصورة شاملة.

وتم اغلاق المسجد عام 2014 بسبب تضرره من الزلازل وتصدع جدرانه واستغرقت عملية الترميم اربع سنوات اذ اعاد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة افتتاحه في التاسع من ابريل الماضي بحلته الهندسية الاصلية ليبقى معلما دينيا هندسيا فريدا شاهدا على فترة العثمانيين بالجزائر.

ترسل إلى الشبكات الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *