الخميس 19 يناير 2017 - 15:56

دلع المفتي تكتب: عندما انقلبت القطة إلى لَبْوَة

كانت تقف أمامي كالقطة، شابة جميلة ذات ملامح ناعمة هادئة، تلبس لباسا بسيطا: بنطالا واسعا وقميصا بلا أكمام. كانت برفقة مجموعة من الأصدقاء يستمتعون جميعا بالموسيقى في مهرجان «أحلى فوضى» في شارع الحمرا ببيروت.
فجأة، ومن دون سابق إنذار، انقلبت تلك القطة إلى لَبْوَة وراحت تصرخ وتشتم، بعد أن مد أحد القذرين يده متحرِشا بها مستغلا الزحمة والفوضى في المكان، فما كان منها إلا أن لحقته وانهالت عليه ضربا بكل ما أوتيت من قوة. الغريب في الموضوع أن ذاك الحقير كان يمشي مطأطئ الرأس وهو يتلقى صفعاتها ولكماتها ورفساتها من دون أن ينبس بحرف.
التحرش، تلك الآفة القذرة، الحقيرة لا يخلو أي مجتمع منها، سواء غربيا أم شرقيا. هي آفة ذكوريّة بامتياز، هو سلوك شائن مرفوض ذو طبيعة جنسية، يهدف إلى إهانة المرأة وانتهاك جسدها سواء فعلا أو قولا. فالتحرش ليس بالضرورة تحرشا جسديا فعليا، بل يمكن أن يكون تحرشا لفظيا كالتلميح بكلمات خادشة أو إباحية بغرض انتهاك خصوصية المرأة، ويمكن أن يكون بالنظر فقط، حيث يتعمد المتحرش النظر إلى أجزاء من جسد المرأة بطريقة غير لائقة، وقد يكون بالتصفير أو المناداة أو الدعوة الوقحة لممارسة الجنس، ويمكن للتحرش أن يكون عبر وسائل التواصل الحديثة كالهواتف والانترنت.
في مجتمعاتنا حصرا، أقنعنا البعض أن التحرش مسؤولية المرأة وهي من تستدعي التحرش سواء بلباسها أو أسلوبها، أي أن الذنب ذنبها وليس ذنب المتحرش. ولهؤلاء نقول: ماذا عن التحرش بالأطفال وبالصبيان وبكبار السن، وبالمرضى في المستشفيات؟ هل كانوا يلبسون لباسا خادشا أيضا؟
التحرش الجنسي لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتباره خطأ المتحرش بها ولا مسؤوليتها، هو قرار المتحرش الذي تنازل عن كرامته وإنسانيته ودينه وأخلاقه وقرر استباحة جسد آخر إشباعا لشهوة.
بيد أنه لا بد أن نتطرق للعوامل التي تساهم في استباحة جسد المرأة، فهناك الخطاب الإعلامي الذي يستعرض جسد المرأة بكل رخص ويستخدمه لترويج سلعه سواء بضائع أو أغاني أو أفلاما، مركزا على التفاصيل الجسدية الممتلئة بالإغواء والإغراء. وعلى الجانب الآخر هناك الخطاب الديني من البعض الذي ينظر إلى المرأة على انها عورة مسكونة بالغواية، وظهور أي جزء من جسدها يعتبر دعوة للتحرش، فالمتحرش هنا يرى جسد المرأة دنسا محتقرا وفي الوقت نفسه يتوق إليه ويرغبه. وعلى الرغم من تناقض الخطابين، فإنهما في النهاية يصلان إلى النتيجة نفسها، احتقار جسد المرأة و«تشييئه» وجعله مستباحا، فالمرأة بالنسبة للطرفين ليست إنسانا يجب احترامه، بل جسد مغو فقط.
التحرش جريمة، وليست حدثا بسيطا يمكن السكوت عنه، وعلى المجتمع ألا يقبله كظاهرة عادية. وعلى الحكومات أن تشدد القوانين تجاه من يقوم بهذه الأفعال القذرة. وعلى كل من يتحرش بها، فضح المتحرش والدفاع عن نفسها كما فعلت تلك القطة اللبوة.

دلع المفتي

ترسل إلى الشبكات الاجتماعية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *