المقاهي بيوتهم

يوسف عبدالرحمن

y.abdul@alanba.com.kw

المقاهي وما أدراك ما المقاهي؟..هل المقاهي ملاهي؟ ..أم بلاوي؟ ..أم دواهي؟

نرى المقاهي مرة نسكت، وأخرى نتعجب، مرات نرى إثيوبيات أو فلبينيات! عدا طبعا الجنس الثالث!

وما يسمى هات وخذ واطلع وهم من قارة واحدة في منطقة حولي والنقرة!

مرة يكون المقهى صغيرا وآخر دورين!

هل المقاهي أماكن موبوءة؟ أم أشكال متعددة وتنوع في المسارات والممنوعات؟

أكيد فيها أشرار، وخفايا لا يعلمها إلا الله، خاصة انها تضم جميع الجنسيات ولربما تكون عالمية التنوع ..

يقولون: المقاهي طق حنك! أو للهذرة والسوالف وقضاء الوقت وما وراء الاكمة!

والسؤال: لماذا تحول المقهى الى ستاد رياضي للمناسبات الكروية والمباريات؟

هل لغلاء «الكرت» بعد أن تم احتكار النقل الكروي؟ أو لأن الزمن تغير؟ ..وتناسوا مقولة شكسبير: قد ضيعت الوقت، والآن الوقت ضيعني ..هل صحيح أن هناك فئة من الشباب أصبحت المقاهي مسكنهم الدائم؟

وهل المقاهي شريكة للزوجات؟! ..هل هي البيت الثاني للرجل؟ ولماذا يقصدها الشباب دون كلل أو ملل؟ وهل ظهور جيل جديد من المقاهي النسائية ويقتصر ارتيادها على النساء فقط مقبل على توسع وتمدد كما تفعل داعش؟!


في الكويت القديمة كان هناك مقهى أبوناشي الذي تأسس في عام 1920 وهو أشهر مقهى كان الناس يتبادلون فيه الأحاديث ويناقشون القضايا، ويقال ان الذي أسسه رجل من فارس يقال له «نويدر» تصغير لاسم نادر ويقع في ساحة الصفاة، والمقاهي في الكويت تأثرت كثيرا بمقاهي بغداد التي ظهرت في العشرينيات مثل مقهى الزهاوي ومقهى الشط ويسمى «المصبغة».

 

وفي عام 1944 ظهر مقهى القهوة البرازيلية ويقع في المباركية وهو أول مقهى أحضر البن من البرازيل وعرف باسم المقهى البرازيلي وكان يتردد عليه الشباب المثقف وكان ملتقى للطبقة المثقفة وأسسه السيد عزت جعفر، ومن أبرز رواده المرحوم يوسف بهبهاني، ومحمد العتيبي وعبدالعزيز الحميضي والأستاذ أحمد شهاب الدين، رحمهم الله جميعا، وأكيد كانت المقاهي تضم الوجهاء وأصحاب المصالح من أهل الكويت وملتقى العابرين من السفر ووسيلة للتسلية، وكانت فئة من الرواد تحب لعبة الداما الشهيرة وطبعا كان هناك «القدو» اليوم تحول إلى الشيشة اللعينة والدخان.

ذهب زمان أبو زيد الهلالي والظاهر بيبرس واندثر أثر الحكواتية وبقيت سيرتهم في التاريخ وعند كبار السن، أما الشباب فهذا لا يعني لهم شيئا، مثلما اندثرت أجهزة النقال القديمة الى اليوم بعد ان احتلت الأجهزة الذكية قلوب الشباب والشابات.

وندعو الله عز وجل ألا تندثر الدشداشة والغترة والعقال بعد أن داهمها الشورت و«التي شيرت»! وشعور مرفوعة كأنها الأسود ولا تشبيه لأنهم في حقيقتهم نعاج خائفة.

نعود الى موضوعنا الرئيسي في الاستراحة «المقاهي» فأقول: نعم.. لا أنكر أن المقاهي في الزمان القديم كانت للاستراحة وتبادل الأحاديث والأخبار وعقد الصفقات والألعاب (الكوت ـ الداما ـ الدومنة) وكان المشروب هو الشاي الأسود، أما الوجهاء والأغنياء فلهم القهوة البرازيلية، يقول طاغور: إيه أيتها الدنيا، لقد قطفت وردتك، وضممتها إلى قلبي، فوخزتني شوكتها، فاليوم هناك شاي أخضر وموكا و و و…

المقاهي في القديم كانت تعكس عبق الماضي ووجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولم تكن مجرد جلسة عابرة لقضاء الوقت وانما كانت حياة وتحل في جلساتها أعتى المشكلات، وتعقد كبرى الصفقات، وهي بحق بصمة لا تمحى خاصة وأنت تمر لتسمع «القوانات» اي الأسطوانات وهي تعلي الصوت في خضير بوعزيز وداخل حسن وزهور حسين ووحيدة خليل بأصوات محمد زويد وعوض الدوخي وعبداللطيف الكويتي ومحمود الكويتي وعودة المهنا وعواد سالم وعائشة المرطه وبستات البصرة وكبار المغنين العراقيين. وكانت مكانا مفضلا للمتقاعدين وكبار السن والكل مستمتع بالشاي «السنكين» على الفحم ودلال القهوة العربية، ومثلهم أصحاب «الابلام» الذين كانوا يستريحون في قهوة بوعباس بجانب «الفرضة» وهي الميناء الذي يستقبل جميع أنواع البضائع القادمة من الخارج من الدول المجاورة عبر البحر.

في البلاد العربية، هناك أيضا تاريخ كبير لبعض المقاهي، فمصر اشتهرت ببعض المقاهي مثل مقهى «جروبي» الذي كان يجلس فيه الكاتب نجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل، وقهوة «الفيشاوي» في خان الخليلي بحي الحسين، وقهوة «ريش وعكاشة» و«الكتبخانة» و«السنترال» وأتذكر مقهى جيجي في شارع فؤاد للجالية السودانية. وفي لبنان من أشهر المقاهي قهوة «الافراز» ومقهى الدروندي رغم أن المثل اللبناني الشهير يقول: «البيت هو أول المقتنى وآخر المبيع».

وفي دمشق مقهى «الحجاز» اكبر مقهى شعبي في قلب دمشق ومقهى «علي باشا» في ساحة المرجة وهو ملتقى لأبناء العشائر عند قدومهم إلى الشام، وكذلك مقهى «الهافانا» بجانب جسر فكتوريا وهو ملتقى للكتاب والصحافيين والمثقفين والأدباء.

مملكة البحرين عريقة بالمقاهي خاصة يوم كانت عاصمة اللؤلؤ وملتقى البحارة وتجده اليوم في الأسواق القديمة التقليدية، وفي الأردن مقهى «تشي تشي».

في المملكة العربية السعودية نذهب الى جيل جديد من المقاهي العربية وربما أكثرها طرافة وحداثة، ففي الخبر ومنذ عامين تقريبا تم افتتاح مقهى سعودي يدعى «اوتاكوشي» خصصه مؤسسوه بالكامل للسجالات الفكرية والأدبية.. وهذا جميل ولا غبار عليه.. فلماذا نغفل هذا الشيء المجدي؟!

وهكذا هي المقاهي في كل مكان اختلفت عما كانت عليه، وبدأت كظاهرة صحية تخدم الناس وترفه عنهم، وتحولت إلى أماكن الله وحده هو الذي يعلم ماذا يدور فيها.

انتبهــوا فالقضية خطيرة جدا على الشباب، فهل من مبادرة تحمي هؤلاء الشباب؟

إذن المقهى عطر الأجداد وجدناه في الكويت القديمة في مقهى بوناشي وسوق التجار وسوق الدهن وفي الفرضة وسوق البشوت والتناكة والصرافين وسوق الغربللي والمناخ القديم.. وغيرها.

اليوم مقاه على مدار الساعة مفتوحة ابوابها تستقبل كمّاً هائلاً من الشباب الذي ينفث السجائر ويشرب الشيشة وهو لا يعلم أن الشيشة الواحدة تعادل 300 سيجارة!

اليوم المقهى أظهر لنا تدخين الإناث للشيشة وهي ظاهرة مستجدة لا بل وصلت الشيشة الى الصغار بعد الكبار لأن أصحاب المقاهي يعتمدون على دخلها لأنه أكثر من بيع المأكولات والمشروبات، خاصة بعد تكاثر تشييش النساء!

اليوم المقاهي قضية «الاستراحة»، لأنها انتشرت بسرعة وفي كل مناطق الكويت والآلاف من الشباب أصبحوا أسرى لهذه المقاهي التي أغرت الرجال والنساء على ارتيادها وأحيانا أتساءل: هل يقدم الجنس مع النرجيلة والمرطبات؟ وهناك مستجد جديد «الكابينة الإسلامية» هل هي غرفة مشبوهة؟ لم الدجل؟ وما علاقة الاسلام بالكافيه والكابينة؟!

لِمَ تمددت المقاهي من محل صغير إلى أدوار خمس نجوم بأدوار علوية.. ومفاسد سرية؟!

هل المقاهي واحة تنفس بعيدا عن الرقابة المطلوبة؟! انا لا أرى رقابة حقيقية!

أنا أرى فيها ظواهر سلبية خاصة مع تزايد العمالة الوافدة، خاصة الآسيويين والأفارقة.

لم تحول المقهى بديلا عن الديوانية؟

هل كان لإزالة الديوانيات هذا الأثر المدمر على الشباب؟

بحسّي الصحافي أراها أسلوبا جديدا للترويج الخطر مثل «الشبو»؟ فهل تعلمون ما هو الشبو؟!

أعدكم في حلقة قادمة أن أتناوله لأنه خطير جدا على مجتمعنا وسط هذا السكوت المطبق حياله؟

أعود للمقاهي، ألا تتفقون معي في انها تحولت الى أماكن «للمواعيد والترقيم» ويقال للدروس الخصوصية؟

أتصور بعد هذا العرض أن أجواء المقاهي هي التي يفضلها المرتادون خاصة أن بعض المقاهي حددت نوعية الرواد وأعمارهم!

اسمع ان الشباب يلتقون هناك لمشاهدة المباريات في دوريات الكؤوس الأوروبية وغيرها، خاصة أن كثيرا من الشباب «حفاي» وراهنوا عليها بديلا عن البيت والديوانية؟

استراحتكم عن «المقاهي بيوتهم».. فهل أنتم منتبهون لما أقول؟!

الإنترنت بداية الداء

أعرف أيها الشباب أن كلامي القادم قاسٍ عليكم وعلى أهلكم، فأنا لا أنسى انني معلم قبل أن أكون صحافيا، لذا اسمحوا لي بان أعطي النصيحة كأب لكم فأنا أعرف أن الحجة اليوم هي «مقهى الإنترنت»!

قد يكون هذا مقبولا قبل توافر الإنترنت في جوالاتكم وأتذكر عام 1995 كيف انتشرت مقاه تقدم هذه الخدمة ورأيت الآسيويات ماذا يفعلن كي يستقطبن الشباب لأن خدمة الإيجار لشبكة الإنترنت غالية!

أعرف أن الوضع تطور من أجهزة للحوار إلى غرف دردشة ومواقع إباحية وجنسية دون رقيب خاصة أن أعمار المرتادين حينذاك كانت تقل عن 30 سنة!

وانتقلنا من مواقع المحادثة الى الانفتاح على الألعاب وصولا حتى الى المواقع السياسية غير المراقبة التي تضلل الشباب للأسف!

إنني أتوجه للآباء والأمهات بأن إهمالكم وضعف رقابتكم أضاع أبناءكم، لأن الفراغ مفسدة مع توافر السيولة المالية وعدم وجود إجراءات رقابية صارمة على مثل هذه الخدمات وتذكروا الفضول وأن الممنوع مرغوب، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الدنيا ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان، رجل باع فيها نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها».

مفاسد متوقعة

أيها الآباء وأيتها الأمهات

إنني اكتب اليوم لكم عن المقاهي وأرجو أن تدققوا فيها كثيرا، فبعضها يستمر ليلا حتى الفجر، وهذا ضياع لوقت أولادكم، وهناك طبعا صحبة فاسدة وأمراض كثيرة قد تُنقل نتيجة غرق هذا الشباب في أوحال الدعارة والفساد، إضافة الى أساليب خلايا الإرهاب والتخريب والدعوات الهدّامة ولربما حتى التجسس!

إنني اليوم أتكلم بمنتهى الصراحة وحديثي للآباء والأمهات، وللشباب أيضا احذروا جدا الشخصيات والكتب الهدّامة التي تدعو إلى التشكيك في الدين الإسلامي وأذكركم بأن النفس أمّارة بالسوء وتدعو صاحبها إلى اللهو والعبث، يقول الله تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ـ سورة لقمان: 33).

علينا جميعا في هذا المجتمع أن نتوقع مفاسد كثيرة من انتشار المقاهي وألا نقف حيارى عاجزين عن حماية أبنائنا وإصلاحهم وعلينا جميعا أن نزيل الفجوة بيننا وبينهم لأننا في المجتمع كالجسد الواحد إذا فسد منه عضو أدى ذلك إلى فساد الكل..

يقول الشاعر:

ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريض

              يجد مراً به الماء الزلالا

انني كأب أعرف أبا لم ير ابنه منذ عيد الفطر لأن الابن يخرج من دوامه ويواصل في المقهى حتى شروق الشمس ما لم يكن عنده دوام!

المقاهي الشعبية

في الكويت مقاهٍ شعبية افتتحت في عام 1977 وكان رائد هذه الفكرة الجميلة الأستاذ عبدالرحمن المزروعي وهذا إنسان جميل من الزمن الجميل، ولقيت الفكرة استحسان اللجنة العليا للترويج السياحي وتم افتتاح أول مقهى في منطقة القبلة ثم في الشرق عام 1978 والسالمية في 1978 وفي ابو حليفة وفيلكا في عام 1979 وكانت العوائل الكويتية ترتاد هذه المقاهي وتقضي وقتا ممتعا، حيث يقدم «الشاي – القهوة – وأكلات قديمة – الكباب والكلاوي والباجيلا والنخي وخبز الرقاق».

كانت مقاهي بسيطة وكنا نأخذ ضيوفنا العرب والأجانب لها ويفرحون بها وكانت تجسد بنكهتها عبق الماضي وأصالته.

اليوم مطلوب تطوير هذه المقاهي ولا أرى ما يمنع أن تجاري التقدم وأرجو من وزارة الشؤون وهي المشرفة عليها أن تشكل لجنة شبابية وتأخذ منهم أفكارا ومقترحات وتقدمها من خلال هذه المقاهي والتي استهدفت من أعداء الكويت وفجرت بعضها لأنها تمثل روح الأسرة الكويتية الواحدة المترابطة.

 

أهم المقاهي القديمة

قهوة بوناشي بسوق التجار، قهوة الدهن بسوق الدهن، قهوة بوعباس بفرضة الجولان، قهوة ملا عباس مقابل الفرضة، الطواويش بسوق البدر، ميرزا هادي بسوق البشوت، مارضا بوعلي قرب الفرضة، قهوة اليعود بالسوق الداخلي، الريس بمناخ الإبل، النوخذا بالسوق الداخلي، خضير بالصفاة، الرقاع بسوق الغربللي، نويدر بسوق الحرس، جويدر بسوق التناكة، قهوة العوضي بالشارع الجديد، الصومالي بسوق الحرس، ناصر مسجد النبهان، ابن قهيم بساحة الصرافين، بوعاشور وعبدالغفار، قهوة زمون وعباس بالصفاة، بن عقاب بسوق الغربللي، قهوة الحمارة بسوق البشوت، البرازيلية بسوق الداخلي، بن رنان وقهوة سلطان، قهوة حاجي بغرب الأمن العام، قهوة بولند بسوق التناكة، قهوة كرم بالمناخ القديم، ابن حيدر بسوق التناكة، وعيسى البلوشي.

 

 

 

آخر الكلام

إنني أتوجه بكلامي هذا إلى هيئة الشباب والرياضة وكل جمعيات النفع العام المهتمة بقطاع الشباب كي نجيب عن سؤال واحد وهو: لم يذهب الشباب إلى المقاهي؟

إن عرفنا أن نجيب عن هذا السؤال، فهذا يعني أننا وضعنا يدنا على الحل الأمثل لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وأنا شخصيا كتربوي وإعلامي أراها فيما يلي:

– افتقاد وسائل الترفيه أيام العطل والإجازات.

– الهروب من المشكلات والشعور بالوحدة وضعف الوازع الديني.

– غياب حملات التوعية المبنية على أسس علمية.

– ضعف القوانين واللوائح الخاصة بالمقاهي.

– عدم تطبيق قانون منع التدخين، فالسجائر مفتاح كل شر.

أيها القراء الكرام، في نهاية هذه الاستراحة أقولها صريحة وأعرف أن المقاهي اليوم «شر لا بد منه» لأنها ظاهرة ذات أبعاد مختلفة، وإنني من هنا من «الأنباء» أحيي وأشد على كل يد تريد أن تصلح هذا الحال المعوج لأن المقاهي أنواع ومستويات، وهي مشروع ناجح بكل المقاييس بعيدا عن الحلال والحرام، وأقولها: «القابض على دينه كالقابض على جمر النار.. اللهم بلغت اللهم فاشهد».

“الانباء”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.