الجمعة 20 يوليو 2018 - 13:41

سفريات 3 “سيجارة من فضلك”

صالح الغنام
في برشلونة, تناولت طعامي على عجل, وخرجت أدخن سيجارة, ريثما ينتهي أفراد أسرتي من تناول غدائهم في المطعم الذي يقع على إحدى نواصي شارع رامبلاس الشهير. ونظرا لعدم توافر مقاعد عمومية لمرتادي هذا الشارع الصاخب, أسندت كتفي إلى عمود لوحة إرشادية خاصة بموقع محطة الميترو, ورحت أدخن بانسجام سيجارة تلو الأخرى. وفي لحظة, وقفت أمامي فتاة, فارعة الطول, ممشوقة القوام, ترتدي “شورت جينز” قصيرا جدا جدا, تشبه بروك شيلدز في صباها, ونانسي عجرم في نقاء بشرتها, وأنجلينا جولي في أنوثتها. فقالت وقد أغوتني بابتسامة ساحرة: “cigarreta una tenir Puc”. فقلت: “هاه”؟ كررت الفتاة جملتها بالإسبانية, أو بالأحرى الكاتالونية: “cigarreta una tenir Puc” ولكن هذه المرة, ألحقتها بغمزة عين, جعلتني أشعر بانسياب مادة سائلة على شفتي السفلى. فقلت مجددا: “هاه”؟

هنا, ضمت الفتاة إصبعيها السبابة والوسطى ووضعتهما على شفتيها, فبدا لي وكأنها تقبلهما, ففهمت الموضوع غلط, بعد أن انتابني شعور لم أعرفه في حياتي من قبل, حيث ظننت أنها تراودني عن نفسي, فأخذت أتمنع وأتصنع الثقل بفشل بالغ, ويبدو أنها سمعت صراخ عقلي الباطن وهو يوجه لي الشتائم ويحضني على اقتناص الفرصة قبل أن تضيع, فأشارت بيدها إلى علبة سجائري وهي تقول “cigarreta una tenir Puc”, هنا أدركت خيبتي الثقيلة, وعرفت أنها تطلب مني سيجارة, فأعطيتها سيجارتين بدلا من واحدة, وإظهارا للثراء والكرم, مددت يدي في جيبي وأخرجت منه علكة مستكة ماركة شعراوي, فقدمت لها العلكة وأنا أطبطب على بطني قائلا: This is good for here, وحقيقة, لا أدري إن كانت الفتاة قد فهمت طبطبتي على بطني بأنني أقصد أن المستكة جيدة للمعدة, أو إنها اعتقدت أن العلكة التي تشبه أقراص الدواء, هي حبوب منع الحمل!

هذا الموقف, أدخلني في نوبة طويلة من التفكير, فقد انتهى وولى ذلك الزمن الذي يطلب فيه الناس سجائر من الغرباء, فما بالك وأنا أتحدث عن فتاة إسبانية, يخفض لها القمر جناح الذل حرجا واعترافا بجمالها الآسر الخلاب. الشاهد, أن هذا الشعور, خف وتلاشى بعد تنقلي بين مدن ودول أوروبا, فقد اكتشفت أن شحذ السجائر من الغرباء, عادة منتشرة بين فتيات وفتيان أوروبا, حتى إني صرت لا أخرج من الفندق إلا ومعي علبة سجائر إضافية أوزعها كدفعة بلاء عني وعن صحتي وعافيتي. وبعيدا عما في هذه التجربة من ظرف واستغراب, ففيها مؤشر يؤكد ما كتبته من قبل, من أن شعوب الغرب – بلا استثناء – محرومة تماما من الرفاه والاستمتاع بأدنى مباهج الحياة, وأذكر إنني قلت: كأن الله تعالى خلق هذه الشعوب لتكون سببا لرفاهيتنا وإمتاعنا وإسعادنا بفضل ابتكاراتهم وصناعاتهم ومنتجاتهم… عموما, سنكمل غدا, وسأتبنى شخصيا دعوة تصدير الرفاه إلى الغرب!

salehpen@hotmail.com

ترسل إلى الشبكات الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *