مقالات

على طمام المرحوم

راكان بن حثلين

رغم اختلافنا مع المجلس الحالي، وتحفظاتنا الكثيرة على أدائه وتوجهاته وحتى تشكيله، الا كنا نتمنى ونسأل الله ان يخيب هذا المجلس ظنوننا ويخالف توقعاتنا السلبية تجاهه، وأن يحقق للكويت وللمواطن الكويتي ماعجزت عنه المجالس السابقة، لنجبر حينها على التصفيق لكل انجاز حقيقي يصنعه هذا المجلس، ونرفع القبعات لكل نائب يحسن أداء واجبه الذي انتخب من أجله.

ولكن للأسف جاءت الأحداث في الجلسات الأخيرة لتؤكد أن مجلس «السوابق الحميدة» ما هو الا نسخة طبق الأصل عن مجالس سابقة، اتصفت بالطائفية والاخلال بمفاهيم الديموقراطية والوحدة الوطنية.

ففي أول اختبار انحدر الى مستويات هابطة من التراشق بعبارات الطعن والتشكيك في الولاء والانتماء والعقيدة، ليكرر بذلك مشاهد سوداء عشناها في فصول تشريعية سابقة.

ورغم نجاح المناورة التي تمت بمناقشة طلب رفع الحصانة «استثناء» في جلسة سرية، في احتواء الموقف الى حد ما، واخفاء بعض مساوئ هذا المجلس، وحرمان الرأي العام من الاطلاع على الصورة الحقيقية لما حصل في قاعة عبدالله السالم في جلسة الثلاثاء الماضي، الا أن المجلس عاد في الجلسة العلنية في اليوم التالي، ليخوض في مستنقع الطائفية عند مناقشة قانون جمع السلاح، ويبدأ فصل جديد من مسلسل المزايدات والتكسب المبني على النفس الطائفي.

ولاندري لماذا يتم اقحام دور العبادة بشكل خاص في قانون جمع السلاح، في حين ان القانون يتحدث عن جمع السلاح بشكل عام، وفي أي مكان، وعلى أي شخص كان؟
وليست قضية الطرح الطائفي هي الاقتباس الوحيد للمجلس الحالي من ممارسات المجالس السابقة، بل ان «مجلس السنن الحميدة» عاد ليكرر مساوئ وسلبيات المجالس السابقة، في عدم اكتمال النصاب في الكثير من اللجان، ولا سيما اللجان المؤقتة، التي أصبحت عبئا على المؤسسة التشريعية، وبلا انجاز يذكر.

وبدلا من السعي الى تعويض الوقت الضائع، الذي كانت المجالس السابقة تتهم بأنها المتسببة في ضياعه، رأينا من المجلس الحالي اللامبالاة، وعدم الاكتراث بوقت المؤسسة التشريعية، الذي هو في الحقيقة ملك للشعب وليس للنواب، وذلك بفقدان النصاب في 3 جلسات متتالية وتأجيل انعقادها لمدة نصف ساعة، فضلا عن الوقت الضائع في المهاترات والمزايدات واثارة القضايا التي تهدف الى التكسب الانتخابي على حساب الصالح العام، او للتشفي وتصفية الحسابات مع خصوم سياسيين أصبحوا خارج العملية السياسية.

كنا نظن في السابق أن النظام الانتخابي هو أحد الأسباب الرئيسة لانحدار مستوى الأداء السياسي، وتأملنا كثيرا من نظام «الصوت الواحد» بأن يقوم الاعوجاج، وأن يعيد الاتزان والطرح العقلاني الى البرلمان، ولكن للأسف الشديد نجد أن المؤسسة التشريعية لاتزال «على طمام المرحوم»، وتكرس نفس الممارسات التي كنا نمقتها وننتقدها في المجالس السابقة.

اذا العلة ليست في النظام الانتخابي، وليست العلة في العملية الديموقراطية، بل العلة فينا كمجتع وكثقافة وسلوك، وفي اختياراتنا والمعايير التي تولدت عنها هذه الاختيارات، فما يحدث داخل المؤسسة التشريعية هو مرآة تعكس واقع المجتمع بشكل أو بآخر، لأن الشعب هو من جاء بهؤلاء النواب، الذين هم في النهاية جزء من هذا المجتمع بايجابياته وسلبياته، وأداؤهم اما أن يكون طبيعيا وتلقائيا وبالتالي يكون امتداد لواقعهم الاجتماعي والفكري والثقافي، أو أن يكون أداء تمثيلياً يهدف الى مجاراة الشارع وكسب تعاطفة، وتحسين الوضع الانتخابي بأي شكل كان، حتى وان كان عن طريق اثارة القضايا الطائفية والفئوية التي تمزق المجتمع .

مأساتنا لن تنتهي ما لم نجتث كل الأفكار والسلوكيات المريضة في مجتمعنا، ونقيم مسطرة العدالة والمساواة على أنفسنا أولا في تعاملنا مع الآخرين، ونلتزم بمبادئ وقيم وقواعد ثابتة نطبقها على الجميع، وبعدها يمكن أن نصنع التغييرعلى أعلى المستويات، ونخلق بيئة سياسية تتعامل وتحترم وعي وادراك هذا الشعب بمصداقية، لا أن تتعامل معه كشعب ساذج تسيره العواطف والميول بعيدا عن العقل والمنطق، وتسوقه «الفزعة» والعصبيات باتجاه اختيارات سيئة لا تبني الأوطان بل تهدمها وتمزقها.

آن للنواب أن يفهموا أن الشعب ليس ساذجا، ولا تنطلي عليه محاولات التكسب والتسلق على القضايا الطائفية، وآن للشعب أيضا ان يعيد حساباته، وان يبدأ مرحلة اصلاح حقيقي، تبدأ بالذات وتمتد الى المحيط القريب ثم الى المجتمع، لتخلق جبهة شعبية موحدة تجتمع فيها كل المكونات على راية واحدة من الأهداف والمبادئ، تتساوى تحت ظلها الحقوق والواجبات، وحينها لن يستطيع اي شيء أن يقف في وجه هذه الجبهة، او يحول دون فرض ارادتها في التغيير والاصلاح المنشود، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بناء على معايير النزاهة والكفاءة، وليس بناء على المعايير الحالية المبنية على المحسوبيات والعصبيات الطائفية والفئوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *