الاثنين 20 مايو 2019 - 02:40

وثائق المعارضة.. وخارطة داعش!

راكان بن حثلين

لم يعد مقبولاً استمرار حالة الاحتقان السياسي على الساحة المحلية، والانقسام الشديد بين التيارات والقوى السياسية، وانقطاع خطوط التماس فيما بينها، فضلا عن طغيان النزعات الطائفية والفئوية، في ظل ظروف اقليمية غاية في الخطورة، ولاسيما مع الاحداث التي يشهدها العراق، والتي يمكن ان تنتقل الى أي بلد في المنطقة، بين ليلة وضحاها، كما شهدنا ذلك في السقوط السريع لعدد من المدن العراقية في أيدي التنظيمات المسلحة.

ولا نريد أن نكرر الأخطاء التي وقعنا فيها قبل الغزو الغاشم، واذا كان البعض يرى ان الظروف التي يشهدها البلد شبيهة بالظروف التي عشناها قبل الغزو، والتي اختصرت على العدو حينذاك الكثير من الخطوات، فاننا نرى ان الوضع اخطر من ذلك بكثير، لأن العدو اليوم لا يعبأ ولا يراعي لا مواثيق دولية ولا أطر دبلوماسية، ولا يسعى الى دفن ضحاياه في المقابر الجماعية بعيدا عن اعين وسائل الاعلام كما كان يفعل النظام العراقي البائد، بل ان العدو اليوم يجاهر ويفاخر بالذبح والنحر وسفك الدماء، بناء على الهوية والاختلاف المذهبي، بل وحتى السياسي.

المرحلة ليست مرحلة تصفية حسابات أو تجاذبات سياسية، بل انها مرحلة تتطلب اللحمة ونبذ الخلافات والتعاضد من أجل تماسك وصلابة الجبهة الداخلية في مواجهة الخطر -الذي مهما حاول البعض التقليل من أهميته- الا أنه يبقى خطراً شاخصاً وبيناً، كشر عن أنيابه تجاه عدد من الدول الخليجية ومنها الكويت، وبعث رسائل وانذارات تدل على قرب شروره من حدودنا الشمالية، من خلال التفجيرات التي هزت منطقة صفوان الحدودية أمس.

الكل منشغل الآن بما أثير في ساحة الارادة حول المبالغ المالية الخيالية التي يتهم بها عدد من الشخصيات المهمة في البلد، وكل طرف يسعى الى اسقاط خصومه السياسيين بأي طريقة، بينما الوضع الأمني للبلد آخر هموم الفرقاء السياسيين، والمؤسف أكثر ان يكون التعامل الحكومي مع هذا الملف سياسي واعلامي دون أن نرى أي اجراءات ملموسة على أرض الواقع.

نعم، لا نقبل بالفساد، ولا يمكن أن نتغافل عما أثير في ساحة الارادة من معلومات خطيرة اذا صحت- ولكن أمن البلد يأتي على رأس كل الأولويات.

لذا علينا كسياسيين أن نوازن بين أمن البلد وتحصينه من التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية، وبين معالجة ومحاسبة المفسدين، والمحافظة مقدرات البلد، والمكاسب الشعبية، وأن نحدد أيهما اكثر خطرا، الوثائق التي تمتلكها المعارضة ام خارطة (داعش)، وأن نهيئ أنفسنا لمرحلة ان حصلت لا قدر الله- فانها تتطلب تجاوز كل الخلافات، وتأجيل كل النزاعات، والوقوف صفا واحدا لحماية البلد.

وبالعودة الى الوثائق والبيانات التي عرضت في ساحة الارادة، فاننا نجد أن الحكومة والبرلمان على حد سواء، أضاعا فرصة ذهبية، او كما يقال جاءت على طبق من ذهب، لحسم الجدل الدائر حول هذا الملف، واثبات بطلان أو صحة ما ورد من معلومات في ساحة الارادة، وكسب ود الشارع، وتحجيم المعارضة او ربما كسب ودها أيضا، اذا اثبتت السلطتان جديتهما في التعامل مع هذا الملف، الا أنهما بدلا من ذلك حولتا القضية الى مجال للمزايدات والمهاترات، وانحدار أسلوب الخطاب الذي شهدته قاعة عبدالله السالم في جلسة الأربعاء الماضي.

لم يكن المطلوب من النواب أن يكيلوا السباب والشتائم الى خصومهم الذين لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم داخل القاعة، ولم يكن المطلوب من الوزراء اطلاق الصفات غير اللائقة على أعضاء المعارضة، ووصف عملهم بـ«الجبان»، بل كان المفترض ان يكون النواب والوزراء قدوة للآخرين في حسن الخطاب، واختيار الكلمات والعبارات اللائقة في التعبير عن الخلاف السياسي، وتفنيد الادعاءات بالحجة والدليل وليس بالصراخ والعويل.

كان المفترض أن يبادر أعضاء السلطتين الى التعامل مع المعطيات كما هي على أرض الواقع، فالحقيقة أن ما كشف عنه في ساحة الارادة ليس مجرد أوراق بيضاء، بل هو أمر سواء كان ثابتا وصحيحا أم لا، الا أنه اصبح الشغل الشاغل لعشرات الآلاف من المواطنين الذين نزلوا الى ساحة الارادة بحثا عن الحقيقة، ولا يزالون يفتشون عنها بامكاناتهم المتواضعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية.

على الحكومة والبرلمان ان يبادرا بطمأنة الشارع، واثبات جديتهما في كشف الحقيقة، من خلال تشكيل لجنة محايدة من رجال الكويت الشرفاء من القضاة والمختصين بالشؤون المصرفية والمالية ومن الثقاة من رجالات البلد وممثلي القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، أو تكليف جهات دولية متخصصة لاثبات صحة الوثائق التي عرضت في «الارادة» من عدمها.

كما أن على كل من لديه معلومات يعتقد في صحتها أن يقوم بواجبه الوطني، من خلال تقديم هذه الأدلة الى النيابة العامة لتقوم بواجبها وتفصل

في الأمر، لا أن يكون – من حيث يشعر او لا يشعر – معول هدم للأركان التي يقوم عليها البلد وعلى رأسها القضاء.

ترسل إلى الشبكات الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *